رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

50

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

دَعَوْهم إلى عبادة أنفسهم ما أجابوا ، ولكن أحلّوا لهم حراماً ، وحرّموا عليهم حلالًا ، فَعَبَدُوهم من حيث لا يشعرون » . « 1 » فتلخّص من هذا المجموع أنّ التذلّل والخضوع والإطاعة التي هي تابعة لهما عبادةٌ ، فإن كانت للَّه‌فهي عبادة اللَّه ، وكذا إن كانت لغير اللَّه ولكن بأمر اللَّه وإذنه ؛ إذ الخضوع والإطاعة من العبد لأحد بأمر السيّد وإذنه للسيّد أوّلًا وبالذات ، وإلّا فهي عبادة لغير اللَّه وإشراك ؛ إمّا شركاً جليّاً - وهو ما يفعله عبدة الأوثان وعبدة الكواكب وعبدة النيران ، والقائلون بأنّ عزير ابن اللَّه ، والقائلون بأنّ المسيح ابن اللَّه ، وسائر فرق الكفر الظاهر - وإمّا شركاً خفيّاً كالخضوع والإطاعة لغير اللَّه إطاعةَ مخالفةٍ لحكم اللَّه ، مجاوزةٍ لإذن اللَّه الشرعي والعقلي ، وإن كانت على أصناف ، واستحقّ صاحبها بكلّ صنف نوعاً من الذمّ والإهانة الدنيويّة أو الاخرويّة . وما ينكر أن يجري الشارع على كلّ صنف من أصناف نوعٍ حكماً خاصّاً وإن كان الكلّ مشتركاً في حكم عامّ ، والعقل الصحيح أيضاً يحكم بأنّ العبادة بمعنى التذلّل والإطاعة لا ينبغي أن يكون إلّاللَّه ؛ لأنّها إمّا لجلب النفع كما هو شأن الاجراء ، أو لخوف الضرر كما هو شأن العبيد ، أو للأهليّة الذاتيّة كما هو شأن الصدِّيقين ، واللَّه تعالى هو وليّ كلّ نعمة كما ورد في تلبية الحجّ : « إنّ الحمد والنِّعمة لك والمُلك ، لا شريك لك » . « 2 » وفي بعض الأدعية الجليلة : « ما يكون من نعمة فمن اللَّه » « 3 » وهو المقتدر على كلّ نقمة ، كما قال تعالى : « وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ » « 4 » ، فلا ضارّ ولا نافع إلّااللَّه كما ورد في الأدعية الجليلة ، وقال عزّ من قائل تعليماً لنبيّه صلى الله عليه وآله : « قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ

--> ( 1 ) . المصدر ، ح 7 . ( 2 ) . الكافي ، ج 4 ، ص 249 ، باب حجّ النبيّ صلى الله عليه وآله ، ح 7 ؛ وص 335 ، باب التلبية ، ح 3 . وهو متواتر في المصادر الروائيّة . ( 3 ) . تفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام ، ص 19 ؛ مصباح المتهجّد ، ص 156 ؛ المصباح للكفعمي ، ص 96 . ( 4 ) . الأنعام ( 6 ) : 18 .